قراءة رواية ندوب مضيئة
كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ندوب مضيئة
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة يارا علاء الدين
الفصل الرابع
تم النشر يوم الثلاثاء
23/12/2025
"من اعتاد أن تفتح له الأبواب قبل أن يطرقها، سيظل واقفاً خلف أول باب موصد بانتظار معجزة لن تأتي."
"أصعب ما في المحاولة، هو أن تكتشف أنّ الخيط الذي كنت تظن أنك تمسكه بقوة، لم يكن متصلاً بشيء
منذ البداية."
الفصل الرابع:
دفعت ريم باب المستشفى ودخلت مسرعة، كأنها لا تعرف إلى أين تتجه.
كان المكان مضاءً على نحوٍ قاسٍ، والهواء باردًا، ورائحة المطهّرات نفذت إلى صدرها فجأة.
- من فضلكم… هناك طفل تعرّض لحادث في الخارج.
قالتها على عجل، وهي تلتفت حولها باحثة عن أي وجه يلتفت إليها.
توقفت ممرضة كانت تمر أمامها، نظرت إليها بتركيز، ثم سألت:
- أين هو؟
- في السيارة… أمام المدخل مباشرة.
لم تنتظر الممرضة مزيدًا من الشرح. أشارت بيدها، وارتفع صوتها تنادي أحدهم.
في لحظات، تحرّك أكثر من شخص نحو الخارج، بينما بقيت ريم في مكانها، تشعر أن قدميها لا تستجيبان لها.
وأخيرًا تحركت خلفهم!
كانت السيارة لا تزال في موضعها، والطفل مستلقٍ في المقعد الخلفي، ساكنًا على نحوٍ أربك قلبها.
اقترب أحدهم، فتح الباب بسرعة، وتبادل مع زميله نظرة قصيرة لم تطُل.
- نقالة. قالها بهدوءٍ حاسم.
اندفعت النقالة، ووُضع الطفل عليها بحذر.
حين بدأوا يدفعون النقالة نحو الداخل، سمعت صوت رجل من جانبها يناديها:
– آنسة ريم!
التفتت، فرأت حازم صاحب السيارة واقفًا عند الحافة، ينظر إليها بعينين مليئتين بالقلق:
-لا تشغلي بالكِ، سأدفع تكاليف المستشفى… فقط ابقي معه.
شكرته بإيماءة صغيرة, فهي لم تقوَ على الكلام بعد.
ثم لحقت بهم دون تردّد.
لم تكن تعرف لماذا تفعل ذلك، ولا إلى أين سينتهي الأمر؟
اندفعت النقالة في الممر الطويل، والعجلات تُصدر صوتًا خافتًا يتردّد بين الجدران البيضاء.
سار الأطباء بخطى سريعة، كلمات قصيرة تُقال بينهم، أرقام، ملاحظات، إشارات سريعة لا تفهمها ريم، لكنها تشعر بثقلها.
كانت تسير خلفهم، حتى أوقفها صوت حازم:
-من فضلكِ… توقّفي هنا.
توقفت عند باب معدني كبير كُتب عليه: غرفة العمليات.
شاهدت الأطباء يختفون خلف الباب، والنقالة تُسحب إلى الداخل، والطفل معها.
وفي اللحظة التي أُغلق فيها الباب، شعرت كأن شيئًا ما انغلق في صدرها أيضًا.
بقيت واقفة، لا تعرف ماذا تفعل !
نظرت حولها، ثم جلست على أحد المقاعد الملاصقة للجدار.
مرت دقيقة… أو عشر… لم تعرف.
الوقت هنا بلا ملامح.
ثم سمعت صوتًا!
كان بكاءً متقطعًا، لاهثًا، يقترب بسرعة من نهاية الممر.
رفعت ريم رأسها، فرأت امرأة في منتصف الأربعينيات، ثيابها بسيطة، وجهها شاحب، وشالها منزلق عن كتفها. كانت تمشي وتتعثر في خطواتها، وعيناها تجولان في المكان بذعر صريح.
- ابني… حسام أين هو؟
قالتها وهي تقترب من أول ممرضة تراها، ثم لم تنتظر الإجابة، أكملت السير، كأن الخوف يدفعها دون وعي.
نهضت ريم فورًا، وتقدّمت نحوها.
-من فضلك, هل أنتِ والدة الطفل الذي دخل العمليات منذ قليل؟
توقفت المرأة فجأة، ونظرت إلى ريم بعينين ممتلئتين بالدموع.
- نعم… ابني… هل هو بخير؟ طمئنيني بالله عليكِ.
لم تعرف ريم ماذا تقول بالضبط، لكن يدها امتدت من تلقاء نفسها، وربتت على كتفها برفق.
- لاتقلقي. خير بإذن الله.
ارتعش صوت المرأة، وجلست على المقعد القريب كأن ساقيها خانتاها.
-هو الذي أصر على اللعب رغم أنني حذرته من الزحام, لكنه لم يستمع لي!
وانهارت باكية.
جلست ريم إلى جوارها، ولم تقل شيئًا في البداية. تركت البكاء يأخذ مداه.
ثم قالت بهدوء خافت:
-أهم شيء أن ندعي له الآن.
رفعت المرأة رأسها قليلًا، تنظر إلى باب العمليات المغلق.
-هو كل ما لدي!
شدّت ريم على يدها دون وعي.
-الله لطيف, لاتقلقي.
ساد الصمت بينهما، ثقيلًا، لا يقطعه سوى أصوات بعيدة لأجهزة، وخطوات ممرضة تمر من حين لآخر.
كانت ريم تنظرإلى الباب مرة بعد أخرى.
ولأول مرة منذ الحادث، شعرت بثقل مختلف.
لم يكن خوفًا فقط…
كان إحساسًا غامضًا بالمسؤولية، وبأن هذه اللحظة ستترك أثرًا لا يُمحى.
❈-❈-❈
2-
عاد مروان إلى البيت، خطواته مضطربة، كأن الأرض لا تستقرّ تحت قدميه. أغلق الباب خلفه بصوتٍ أعلى مما قصد، فارتدّ صداه في أرجاء البيت الساكن.
شعره غير مرتب، وعيناه تائهتان، لا تثبتان على شيء. بدت عليه آثار ارتباكٍ لا يُخطئه نظر.
خرجت صباح من المطبخ، تمسح يديها بطرف المئزر، ونظرت إليه باستغراب, ثم سألته:
- أين خرجت مبكرًا, يا مروان… أأصنع لك شيئًا خفيفًا حتى تعود أمك بالفطور؟
توقف لحظة، كأنه لم يسمعها في البداية، ثم هزّ رأسه بعصبية، وقال بصوتٍ مقتضب:
- لا أريد.
لم ينتظر ردّها، بل اندفع نحو غرفته بخطوات سريعة.
ماإن دخل الغرفة حتى أغلق الباب خلفه بقوة:
أسند ظهره إلى الباب، وصدره يعلو ويهبط بعنف. مرّر يديه في شعره بعصبية، وجال بنظره في الغرفة دون أن يرى شيئًا.
ثم قال بصوتٍ خافت، متقطّع، كأن الكلمات خرجت رغماً عنه:
- ماذا فعلتُ؟
تقدّم خطوتين، ثم جلس على طرف السرير، وأسند رأسه بين كفّيه. كانت صور السوق تتزاحم في ذهنه، الأصوات، الفوضى، اللحظة التي انفلت فيها كل شيء من سيطرته.
ضغط على أسنانه، وهمس بحدّةٍ ممزوجة بالذعر:
- لم يكن من المفترض أن يحدث هذا, لم يكن من المفترض أن يحدث هذا!
هذا كله بسببك ياريم, والله لن يمر هذا على خير, ستدفعين الثمن غاليًا!
وبعد دقائق........
دخلت هدى البيت بخطوات متعبة، وأغلقت الباب خلفها بهدوءٍ. بدت ملامحها مرهقة، وعيناها شاردتين، كأن جزءًا منها ما زال عالقًا في الحادث.
كان ممدوح جالسًا في الصالة، يحدّق في هاتفه بفتور. رفع رأسه فور سماعه صوت الباب، وقال بنبرة جافة:
-لِمَ تأخرتِ؟ وأين ريم؟
ترددت هدى لحظة، ثم قالت بصوتٍ خافت:
- كنّا في السوق.
قطّب ممدوح حاجبيه، واستقام في جلسته:
- في السوق؟ ومن سمح لها بالخروج من الأساس؟
قالت وهي تخفض بصرها:
-أنا , ليتني لم أُلحّ عليها أن تنزل معي,
ابتلعت ريقها ثم أردفت:
كان هناك ازدحام شديد، تركتها لدقائق حتى أحضر الخبز الساخن كما تُحب, لكن .... وقع حادث!
وفي غرفته انتبه مروان مع وقع الكلمة, فاقترب من باب غرفته ببطء، وألصق أذنه به، محاولًا أن يلتقط أي شيء.
تابعت هدى بصوتٍ متردد:
-تعرض طفل لحادثٍ شديدٍ, صدمته سيارة مسرعة وهربت!
نهض ممدوح بغضب، وصوته ارتفع حادًّا:
- وما شأنها هي؟ ما الذي يدفعها إلى الذهاب إلى السوق أصلًا؟ ألم أقل إن خروجها غير مسموح به؟
شدّ مروان قبضته، واقترب أكثر من الباب، وأنفاسه متسارعة.
قالت هدى محاولة تهدئته:
-كانت معي طوال الوقت، لكن الأمر كان مخيفًا, فأصرت أن تطمئن على الطفل بنفسها.
قاطعها ممدوح بحدّة:
-يالها من طيبة القلب! كل يوم مشكلة جديدة! السوق، والجامعة … إلى متى؟
ساد الصمت للحظة، ثم زفر ممدوح بضيق، وقال ببرودٍ مفاجئ:
- على أيّ حال، حسابها معي شديد عندما تعود, ادخلي الآن وأعدّي الفطور، فأنا أشعر بجوعٍ شديد.
توقفت هدى في مكانها لحظة، ثم أومأت بصمت، واتجهت نحو المطبخ.
أما مروان، فابتعد ببطء عن الباب، وعاد إلى منتصف غرفته، وقد ثقل صدره بما سمع…
وأدرك أن ما جرى في السوق لم ينتهِ بعد!
كان ممرّ المستشفى طويلًا وباردًا, تتردد فيه أصوات الطاقم الطبي والأجهزة بين الحين والآخر.
جلست ريم على المقعد المعدني، ويديها معقودتان في حجرها، وعيناها معلّقتان على باب غرفة العمليات المغلق. إلى جوارها جلست أمّ حسام، تغطي رأسها بكفيها, لم تتبادلا حديثًا طويلًا. الصمت كان أثقل من الكلمات، وكلٌّ منهما غارقة في خوفها الخاص.
كانت أمّ حسام تحرّك سبحتها بين أصابعها بارتجاف، وتهمس بين الحين والآخر بدعاءٍ متقطّع, مرّت الدقائق بطيئة، ثقيلة، حتى انفتح باب غرفة العمليات أخيرًا.
خرج الطبيب مرتديًا ثوبه الأزرق، وقد بدت على وجهه علامات إرهاقٍ ممزوجة بحذرٍ واضح. توقّف أمامهما، ونزع قبعته الطبية ببطء.
نهضتا في اللحظة ذاتها.
قالت أمّ حسام بصوتٍ مرتجف:
- كيف حاله؟ أرجوك، قل لي إنه بخير.
تنفّس الطبيب بعمق، وقال بنبرة مهنية حاول أن يجعلها هادئة:
- أجرينا ما استطعنا من تدخلٍ جراحي… لكن الإصابة كانت بالغة.
تجمّدت ريم في مكانها، وشعرت بأن الأرض تميد تحت قدميها.
تابع الطبيب بصوتٍ أكثر انخفاضًا:
- هناك تضرّر شديد في العمود الفقري… والنتيجة، للأسف، أن الطفل لن يتمكّن من المشي مرة أخرى.
ساد صمتٌ خانق، كأن الهواء نفسه انقطع.
ثم أطلقت أمّ حسام صرخة حادّة، اخترقت الممرّ كطعنةٍ في القلب. انهارت على الأرض، وضربت صدرها بيديها، وهي تجهش بالبكاء:
- لا… هذا مستحيل… حسام كان يركض… كان يلعب…!
حاولت إحدى الممرضات الاقتراب لتهدئتها، لكن الأم كانت قد فقدت توازنها تمامًا، تبكي وتصرخ، وكأن العالم انهار فوق رأسها دفعة واحدة.
أما ريم، فبقيت واقفة، بلا حركة.
كانت الكلمات تتردّد في رأسها كصدى بعيد:
لن يتمكن من المشي مرة أخرى.
هزّت رأسها ببطء، وكأنها تحاول طرد الجملة من عقلها، وهمست بصوتٍ بالكاد يُسمع:
- لا… لا يمكن لابد أن هناك علاج!
قال الطبيب بأسف:
- لقد بذلنا كل ما في وسعنا، لكن الإصابة كانت بالغة.
ارتجفت يدا ريم، وشعرت بالخوف يتغلغل في قلبها. ثم التفتت نحو أمّ حسام واحتضنتها بشدة, محاولةً أن تواسيها وتخفف عنها وطأة الصدمة
بينما انهمرت الدموع كمخرج وحيدٍ لتتلاشى معها كل محاولات الصمود
❈-❈-❈
3-
كانت غرفة الجلوس تغرق في سكونٍ ثقيل، لا يقطعه سوى صوت نشرة الأخبار المنبعث من التلفاز. جلس عادل الهاشمي في صدر الغرفة، متكئًا إلى الأريكة الجلدية، بينما كانت ديما مستغرقة في قراءة أوراقها على الطاولة.
دخل يحيى بخطواتٍ هادئة، يحمل كوب قهوته، وجلس على المقعد المقابل لها، دون أن يتكلّم.
كيف حال مشاريعك التي لا تنتهي يا ديما؟ – سأل يحيى، محاولاً كسر الصمت بخفة.
رفعت رأسها، ابتسامة خفيفة ترتسم على وجهها، وقالت:
- تسير بشكل جيد، رغم بعض الضغوط المعتادة… وأنت؟ سمعت أن الامتحانات اقتربت.
ابتسم يحيى، ومال بجسده قليلاً إلى الأمام:
– لا تقلقي, كله تحت السيطرة, أنتِ تتحدثين إلى يحيى, ثم تنحنح وهو يغمز بعينيه مشاكسًا.
ضحكت بخفة، وقالت:
- ثقتك الزائدة هي مايقلقني كل مرة, لكنك تخالف توقعاتي بامتيازك كل سنة!
ارتاحت ملامح يحيى وقال محاولًا أن يدير دفة الحديث:
- تذكّرين يوم خطوبتك؟ قالها بنبرة هادئة، كأنه يسترجع لحظة ماضية. ثم أردف:
كان مميزًا, كل التفاصيل الصغيرة جعلت اليوم رائع مثلك.
وقفت ديما للحظة، تغمض عينيها وكأنها تعيش اللحظة ثانية:
- كل شيء كان محسوباً بعناية… الزهور، الموسيقى، وحتى ترتيب الطاولات. شعرت أن العالم لا يسعني من الفرحة… رغم أنني كنت مشغولة بالتفكير في كل شيء في الوقت ذاته.
ابتسم يحيى بلطف، ثم سأل:
- وهل أنتِ مرتاحة لعلاقة يزن؟… وما شعورك تجاهه بعد كل هذا؟
نظرت ديما إليه بثقة:
- نعم… أشعر بالراحة معه، وأثق أنه شريك مناسب.
عندها تدخل والدها بصوتٍ يحمل الجدية:
-الجوازة هذه مثالية بحق، فهي لن تجد زوجًا مناسبًا تمامًا مثل يزن.
تنهد يحيى بهدوء، محاولاً التعبير عن رأيه دون أن يجرح مشاعرها:
- بصراحة، لا أشعر بالراحة تماماً, لذلك ياحبيبتي أنصحك أن تفكري ثانية بقلبكِ هذه المرة وليس بعقلك.
رفعت ديما رأسها بعزم، مدافعة عن يزن:
- لكنني أثق فيه، وأعرف أنه الرجل المناسب… وأعتقد أنك يجب أن تثق بخياراتي يا يحيى.
ابتسم يحيى ابتسامة خفيفة، وقال بصوته الرخيم:
– أثق بك بالطبع حبيبتي, وأتمنى من الله أن يسعد قلبك الجميل.
ثم نهض من مكانه بهدوء، اقترب منها، وطبع قبلة خفيفة على رأسها, قبل أن يتجه نحو غرفته، محتفظًا في قلبه بكلامه حتى لا يجرحها.
❈-❈-❈
4-
كان جسد حسام الصغير مستلقيًا فوق السرير الأبيض، تحيط به الأسلاك والأنابيب، وجهه ساكن أكثر مما ينبغي لطفل، وعيناه مغمضتان في غيبوبة لم يفق منها بعد.
جلست أمّه إلى جواره، تمسك يده بيدين مرتجفتين، تهمس باسمه بين لحظة وأخرى، تبكي بعجزٍ ثقيل، عجز لا دواء له.
على المقعد القريب من الحائط، جلست ريم، كتفاها منحنِيان، ويداها مشدودتان في حجرها. بينما كانت الدموع تنساب على خدّيها بصمت.
ساد الغرفة صمتٌ كثيف، لا يقطعه سوى صوت الأجهزة، حتى انفتح الباب بهدوء.
دخل رجل بخطوات ثابتة، توقّف لحظة عند العتبة، ثم تقدّم. ألقى نظرة سريعة على السرير، ثم على الأم، قبل أن تستقر عيناه على ريم.
قال بصوت منخفض:
- مساء الخير.
رفعت ريم رأسها ببطء.
ثم تابع:
أنا المقدم شريف… مسؤول عن التحقيق في حادث الطفل.
لم تردّ الأم، ظلّت يدها مشدودة إلى يده ، كأنها آخر ما تبقّى لها.
تابع شريف، موجّهًا حديثه إلى ريم:
- قيل لي إنكِ كنتِ موجودة وقت الحادث.
أومأت برأسها دون أن تنطق.
- هل تستطيعين أن تخبريني بما رأيتِ؟
شدّت ريم أصابعها بقوة، ونظرت إلى الطفل، ثم إلى الأرض. تأخّر صوتها قبل أن تقول:
- نعم… كنتُ هناك.
ثبت شريف نظره عليها:
-تكلمي ,أسمعك؟ ماذا رأيت بالضبط؟
أغلقت ريم عينيها للحظة، كأنها تحاول استجماع نفسها، ثم تنفّست ببطء. وبعد لحظات، رفعت رأسها، وعيناها مليئتان بالدموع، لتخبر المقدم شريف بكل ما رأته وقت الحادث!
❈-❈-❈
5-
كانت فيلا الهاشمي مشرقة بشكل استثنائي تلك الليلة، والحديقة الواسعة تضجُّ بحركةٍ هادئة للضيوف، بينما تداخلت أحاديث العمل مع النسيم الدافئ الذي ملأ المكان.
عزومة رسمية، قيل إنّها للاحتفاء بانتهاء مرحلة مهمّة من المشروع، لكن الجميع يعرف أنّ مثل هذه المناسبات لا تكون للعمل وحده.
وقف آسر إلى جوار عمر قرب الطاولة الجانبية، يحمل كأسًا من العصير لم يذق منه بعد، وعيناه شاردتان كأنّ الحدث لا يعنيه.
قال عمر وهو يراقب الحضور بابتسامة خفيفة:
-هندسة, لم أكن أعلم من قبل أنك رومانسيًا لهذه الدرجة؟
رد آسر دون أن يلتفت:
- أتمنى أن أراها مرة أخرى ياعمر!
التفت عمر إليه فورًا:
- الفتاة التي حدّثتني عنها؟ التي رأيتها عند الشاطئ؟
هزّ آسر رأسه:
- نعم. لا أعلم لماذا لا تغادر ذهني
ضحك عمر بخفّة:
- أنتَ؟ آسر الهاشمي, تشغل بالك فتاة عابرة؟ هذه جديدة.
نظر إليه آسر نظرة قصيرة:
- أخبرتك أنها لم تكن عابرة.
وقبل أن يعلّق عمر، أخرج آسر هاتفه، وقال:
-سأهاتف الرجل الذي رآنا عند الشاطيء لعله رأها ثانيةً!
لم يطل الانتظار حتى جاءه الرد
- نعم؟
قال آسر بنبرة رسمية:
- مساء الخير، أنا الشخص الذي التقيتَ به قبل أيام عند الشاطئ. كنتُ أسألك عن الفتاة التي كانت هناك.
ساد صمت قصير من الطرف الآخر، ثم جاءه الردّ ببرود:
-نعم نعم أتذكر ياباشا, ماذا تريد؟
تغيّرت ملامح آسر:
-نعم؟ ماذا أريد؟ ألم أخبرك أن تعطيها رقمي إن رأيتها ثانية؟
- تلعثم الرجل فقال:
بالطبع ياباشا لكنها لم تأتِ بعد, لاتقلق ما أن أراها حتى أعطيها رقمك.
أغلق آسر الهاتف ببطء, شاعرًا بخيبة أمل.
سأله عمر بفضول:
-ماذا قال؟ هل رآها؟
- قال إنّه لم يرها حتى الآن .
عقد عمر حاجبيه:
إمّا أنّ الرجل يكذب، أو…
قاطعهما صوت مرح:
- أو أنّكما تبنيان رواية بوليسية من فراغ!
التفتا ليجدا يحيى يقف خلفهما، يحمل طبقًا صغيرًا من الحلوى، وملامحه لا تخلو من المرح.
ارتسمت على وجه عمر ابتسامةٌ خفيفة، ثم قال وهو يرمق يحيى بنظرةٍ مازحة:
- أهلاً بالمحلّل العبقري, ما رأيك أنت في هذه القضية المعقدة؟
لم يرفع يحيى عينيه عن القطعة التي بين يديه، وقضمها بهدوءٍ متعمَّد،
قبل أن يقول بنبرة واثقة:
-رأيي أنّ آسر يحتاج أن يصل إليها بأسرع مايمكن!
توقّف آسر عن العبث بالكأس في يده، ورفع رأسه نحوه، وقد بدت الدهشة واضحة في عينيه:
- لماذا؟
- لأنّك مادمت تتحدّث عن الفتاة الشبحية في عزومة مثل هذه… فأنت إما عاشق، أو مراهق، أو كليهما.
انفلتت ضحكة قصيرة من عمر، فقال وهو يهزّ رأسه:
- أميل إلى أنّه مراهق فقط.
رفع آسر حاجبه، وحدّق فيهما نظرةً طويلة، قبل أن يقول بسخريةٍ:
-إخوتي حقًا!
قال يحيى وهو يربّت على كتفه:
-لا تقلق، كلّ لغز له حلّ، لكن ليس الليلة. الليلة مخصّصة للطعام والمجاملات، والتظاهر بأنّنا نستمتع!
وقبل أن يردّ آسر، بدأ الهمس يتصاعد في المكان، والتفتت بعض الأنظار نحو المدخل.
قال عمر بصوتٍ منخفض:
- يبدو أنّ العرض الحقيقي على وشك أن يبدأ.
نظر آسر في الاتجاه ذاته، فتجمّدت ملامحه لحظة.
دخلت لميس.
كانت ترتدي فستانًا داكن اللون، أنيقًا إلى حدّ لافت، ينساب على قوامها بثقةٍ ، شعرها مصفّف بعناية، وخطواتها محسوبة، كأنّها تعرف تمامًا أين توجّه الضوء، وكيف تخطفه دون أن تطلبه.
قال يحيى مشاكسًا وهو يراقب المشهد:
-الهميس وصل!
انفجر عمر من الضحك، أما آسر لم يعلق لكن نظرته ظلّت ثابتة، باردة، كأنّه يشاهد مشهدًا متوقّعًا لا يثير دهشته.
تقدّمت لميس، تتبادل التحايا بابتسامات محسوبة، حتى توقّفت غير بعيد عنهم، ثم غيّرت مسارها بخفّة، واتّجهت نحوهم مباشرة.
قال يحيى، وهو يعدّل وقفته:
- ها قد اقتربت العاصفة.
وقفت أمامهم، وابتسامتها هادئة، واثقة:
- مساء الخير.
أجاب عمر:
- مساء النور.
ثم التفتت إلى آسر، وقالت بنبرة ناعمة:
- كم أنت أنيق اليوم يا آسر!
مرت لحظات ولم تلق ردًا, فنظرت إليه نظرةً متفحّصة:
- سمعتُ أنّك كنتَ مشغولًا في الأيام الماضية!
أجاب آسر بنبرة حيادية:
-نعم! المشروع الجديد أخذ معظم وقتي.
ابتسمت ابتسامة مائلة وهي تحدق بعينيه مباشرةً:
-لكن القديم يفتقد بصمتك التي تركتها فيه.
وقبل أن يردّ، تدخّل يحيى وهو يصفّق بخفّة:
— يالها من جملة تصلح لاقتباس صباحي على وسائل التواصل الاجتماعي: " القديم يفتقد بصمتك التي تركتها فيه".
التفتت لميس إليه، وابتسامتها لم تهتز:
— يبدو أنّك لا تنفك عن المزاح أبدًا يا يحيى.
قال يحيى وهو يشير إلى نفسه:
-أنا أعطي لكل وقت حقه, بينما أنتِ لا.
ضحك عمر بخفّة محاولًا تلطيف الأجواء. ثم أمسك بذراع آسر بخفّة، وقال:
-هيا ياآسر, عادل باشا يُريدك حالًا.
قال آسر وهو ينسحب معه:
-عن إذنك.
نظرت لميس إليهما، وابتسامتها هذه المرّة كانت جامدة:
- بالطبع… تفضل يا آسر.
قال يحيى وهو يلوّح بيده مبتعدًا:
-جربي الحلوى فهي رائعة!
ابتعدوا خطوتين، ثم قال يحيى بصوتٍ منخفض:
— نجونا.
زفر عمر قائلًا:
- بالكاد.
وخلفهما، بقيت لميس واقفة في مكانها،
تبتسم..
لكن عينيها لم تُخفِ أنّها ستواصل التحدي، مهما حدث.
❈-❈-❈
6-
كان المساء يهبط ببطءٍ ثقيل على الحيّ، حين توقّفت سيارة الشرطة أمام العمارة العتيقة.
نزل المقدم شريف بخطواتٍ ثابتة, ثم صعد الدرج، وتوقّف أمام باب الشقّة.
رفع يده، وطرق الباب طرقاتٍ متتابعة حازمة، لا تحتمل التأجيل.
فتح ممدوح الباب، وما إن وقعت عيناه على الزيّ الرسمي حتى تراجع نصف خطوة دون وعي.
قال المقدم شريف بصوتٍ هادئٍ رزين:
مساء الخير. أنا المقدم شريف من قسم الشرطة، ومعي إذنٌ رسمي بضبط وإحضار المدعو مروان ممدوح.
حدّق ممدوح فيه كمن لم يستوعب الكلمات، ثم قال بصوتٍ متقطّع:
— ماذا تقول؟ مروان؟! ابني؟
أخرج شريف الإذن وقدّمه إليه:
- نعم هو, والآن من فضلك!
في تلك اللحظة، ظهرت هدى خلف زوجها، وقد التقطت أطراف الحديث، فتبدّلت ملامحها وشحب وجهها:
-ضبط؟! ابني؟! لا، هذا مستحيل… لا بدّ أنّ هناك خطأً.
تقدّمت صباح بخطواتٍ سريعة، وقالت بحدّة امتزجت بالخوف:
-بأيّ حقّ تدخلون بيتنا؟! مروان لايمكن أن يُخطيء أبدًا!
وقبل أن يجيب الضابط، خرج صوتٌ مرتجف من الداخل:
- أبي…؟
ظهر مروان عند باب الغرفة، وقد اختفت عن وجهه تلك الثقة الزائفة التي اعتادها، عيناه مضطربتان، وملامحه شاحبة كمن واجه الحقيقة دفعةً واحدة.
قال شريف وهو يثبّت نظره عليه:
مروان ممدوح، أنتَ مطلوب للتحقيق في حادث سير أسفر عن إصابة طفل في العمود الفقري، مما أدى إلى عجزه التام عن الحركة.
شهقت هدى، وانهمرت دموعها وهي تتقدّم نحوه:
-لا… لا ابني لم يفعل شيئًا. أقسم لكم بالله، هو شاب طائش، نعم، لكنه ليس مجرمًا!
تعلّقت بذراعه وهي تبكي:
- قُل لهم يا مروان، قُل لهم إنهم مخطئون!
لكن مروان لم ينطق.
كان واقفًا كمن سُحبت منه الكلمات، يحدّق في الفراغ، وكأنّ صدمة اللحظة شلّت لسانه.
قال ممدوح بصوتٍ مبحوح، حاول أن يجعله صارمًا:
- من فضلك يا باشا, هل أنت متأكد من الاسم؟
أجابه شريف بنبرةٍ رسمية:
-التحقيق وحده سيُحدد الحقيقة، وليس هناك مجالًا للنقاش الآن!
تقدّمت صباح، وقد فقدت حدّتها:
-أتأخذونه هكذا أمام أعيننا؟!
أشار شريف بيده، فتقدّم أحد العساكر بهدوء وأمسك بذراع مروان.
عندها فقط انهار صمته:
- أبي! لا تتركني… أرجوك!
تحرّك ممدوح خطوةً نحوه، ثم توقّف.
كان وجهه مشدودًا، وعيناه متجمّدتين، كأنّ جسده انقسم بين أبٍ يريد احتضان ابنه، ورجلٍ عاجزٍ عن تغيير الواقع.
اقتيد مروان نحو الخارج، وبكاء أمّه يعلو خلفه، بينما وقفت صباح مذهولة، وملامحها تتفتّت تحت وطأة الفضيحة.
ما إن تجاوزوا عتبة الشقّة، حتى انتفض ممدوح واندفع خلفهم مسرعًا، دون أن يلتفت إلى بكاء زوجته أو ذهول أخته، وخرج إلى السلم بخطواتٍ متعثّرة.
كان يجري… لحاقًا بابنه،
لحاقًا بما تبقّى من صورةٍ حاول طويلًا أن يُصدّقها!
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة يارا علاء الدين، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

جميله